مرت ببغداد والعراق أيام عصيبة بعد الاحتلال حيث لم يتوفر الكهرباء والماء والغذاء والأهم من ذلك كله عدم توفر الأمن في الشارع والبيت. كنا من المحظوظين نوعاما لأننا كنا قد استضفنا في بيتنا أبو ثائر حارسا يقوم بحراسة البيت ويسكن معنا ويعمل كسائق في النهار. كان تعيينه في العام 2001 واستمر معنا الى العام 2004 حين غادرنا العراق. ولكي نؤمن له سكنا مقبولا في محيط البيت الضيق عمل لنا الحداد الشهير الحاج عبد الامير الحداد (الذي صنع سياج جامع الخلفاء الذي صممه المهندس محمد مكية) بيتا معلقا له حققنا له فيه وسائل الراحة المطلوبة.

تظهر على يسار البيت الغرفة الخاصة بأبي ثائر ويشاهد على اليمين السلم الحديدي الذي يصل اليها

كان الاعتماد الكلي لإنارة البيت والتبريد في النهارعلى المولدة الكهربائية الضخمة في المنطقة. أما في الليل فالاعتماد يكون على مولدتنا الكهربائية في البيت. تعمل المولدة الضخمة بالديزل أما مولدتنا فتعمل بالبنزين. تعطلت في ليلة التاسع على العاشر من تموز 2003 مولدة الشارع، والعطل هذا يتكرر بين حين وآخر، فاضظررنا تشغيل مولدة البيت طول الوقت. حينما كان الجميع نياما في الساعة الثانية  بعد منتصف الليل توقفت المولدة عن العمل وبعد دقائق من توقفها وإذا بأبي ثائر يصيح بأعلى صوته مستنجدا.استيقضنا فزعين وهرعنا الى الكراج فوجدنا النار مشتعلة في المولدة وكان ابو ثائر يشرح لنا ماحدث وهو مرتبكا حيث أنه كان يملأ خزان المولدة بالبنزين وهي لازالت بحرارة عالية وكان يجب أن ينتظرها لعدة دقائق كي تبرد ثم يملأها بأمان. 

 

  المولدة الكهربائية سبب الكارثة وآثار الحريق عليها

المهم لم تكن تلك اللحظات وقت ملامة ولكن العمل الجيد الذي قام به هو إخراج السيارة من الكراج الى خارج البيت وإلا كان من الممكن أن تنفجر السيارة وتكون الطامة الكبرى. ولله الحمد كفانا الله سبحانه من الطامة الكبرى الأخرى وهي وجود المولدة قرب قناني الغاز الإثنتين وكان من الممكن إنفجارهما وعندها يمكن أن يتهدم البيت بالإضافة الى الحريق.

 

قنينتي الغاز وبقايا المواد التي اشتعلت

بدأت النار تلتهم ماحولها والذي كان أثاث مكتب فنلندي كنت قد فككت أجزاءه ووضعته في الكراج كتعويض لأحد أطبائنا المقيمين في الجراحة العصبية (ق ش) الذي سرق داره قبل أيام ودمر أثاثه  وكنت بالصدفة جهزت مكتبتي بأثاث جديد استغنيت عن ذلك الأثاث الفنلندي. التهمت النار ذلك الاثاث وكذلك كنا قد وضعنا سجادة ايرانية كبيرة المساحة تم تنظيفها وغسلها قبل أيام ووضعت في الكراج لتنشف وندخلها الى البيت. امتدت النار لتلتهم الأثاث والسجادة وارتفعت النار الى أعلى الطابق الثاني. حرصا على سلامة الأهل فقد غادروا البيت بسرعة هائلة وعبور الجدار الخلفي للبيت والنزول في حديقة الجيران. ومن المعلوم أننا في أفضل حالاتنا وعندما كان الأمن مستتبا لايمكن لرجال المطافئ أن يصلوا قبل التهام المكان كاملا وليس بالضرورة أن ذلك بسبب عدم كفاءة منظومة الإطفاء ولكن لصعوبة الاتصال بهم وأسباب أخرى. أما في وقت الاحتلال ومنع التجول عند الساعة الحادية عشر مساء  ووجود الدبابات والقطعات الامريكية في الشوارع فليس لنا إلاترك الأمور بيد الله سبحانه. ولله الحمد فقد أنقذنا الله بوجود جيران جاءوا بدون الطلب منهم وعبروا الجدران وتجمع منهم مايقارب العشرين شخصا. ومن حسن الحظ كان في الكراج بقايا مواد بناء فيها الحصو والرمل والحجارة كانت باقية إثر حفر ارض الكراج الذي أنجز قبيل أيام حينما كان هناك نضح أرضي لأحد انابيب الماء المدفونة تحت أرضية الكراج. بعد إبعاد قناني الغاز والمولدة من مكانهما بدأ الشباب بألقاء بقايا البناء تلك على النار وتدريجيا خمدت النار. كانت هناك مشكلتان أهمهما سرعة إسعاف ابو ثائر وإيصاله الى المستشفى. والأخرى كانت تجمع الدخان الكثيف للدخان في داخل البيت. بدأت الستارة المعلقة في المطبخ بالذوبان وبدأ اشتعال النار فيها حيث انها مصنوعة من البلاستك. سحبتها بشدة وقلعتها من الحائط والقيتها أرضا بعيدا عن مصدر النار وأنا ممسك بأطرافها الحارة جدا مما سبب حرقا في كف يدي اليمنى.

 

الدخان الذي التصق بالجدران وسقف المطبخ ويبدو ولدي ياسر وهو يمسح الدخان منه             

خلال انتظاري لتهيئة السيارة لنقل أبو ثائر الى المستشفى قررت أن أدخل البيت لأفتح الشبابيك كلها ليخرج الدخان من البيت, لم يكن لدي قناع تحت اليد مع أني أمتلك واحدا منذ أيام حرب الخليج في 1991 مع علمي أنه غير نافع، فلم أجد تحت يدي غير أحد قمصاني الذي وضعته على أنفي وفمي ودخلت البيت. كانت مجازفة كبرى مني حيث كان مدى الرؤيا صفر تماما بسبب الدخان الكثيف وكان من الممكن إذا عثرت وسقطت تكون نهايتي لاستحالة التعرف على مكاني في ذلك الدخان الكثيف. ولعلمي بمواقع الشبابيك تمكنت من فتحها كلها في الطابقين الأول والثاني وخرجت حامدا الله على نجاتي وكذلك على نجاة الأهل وأبي ثائر.

 

بعد فتح الشبابيك ولم يزل القميص على فمي وأنفي ويظهر أثر الحريق الشديد على الجدران 

تم تجهيز السيارة لنقل أبو ثائر الى المستشفى وكانت أقرب واحدة مستشفى الكندي والتي فيها قسم لعلاج الحروق. كان الوقت بعد الثالثة صباحا ومنع التجول مطبق والخطورة عالية جدا في حال توقفنا دورية أمريكية أو تطلق النار علينا. ولكن لم لدينا أي خيار آخر. ركبنا سيارة جارنا الذي تطوع بالذهاب معي بصبحة أبو ثائر. رفعنا “علما” أبيضا وكان قطعة قماش فوق السيارة بحيث يمكن مشاهدتها من مسافة. وصلنا المستشفى التي كانت تبعد اميالا قليلة عن بيتنا ودخلنا قسم الطوارئ.

 

شعبة طوارئ مستشفى الكندي في بغداد

كان من الواجب علي أن أكون مع أبو ثائر ليس فقط من الناحية الانسانية والواجب ولكن في تلك الظروف الحرجة وقلة الكادر في المستشفيات وشحة الأدوية تكون علاقتي بالكادر الطبي في المستشفى ذات أهمية في تسهيل دخوله الى المستشفى وتنظيم علاجه، حيث أن غالبية الاختصاصيين والمقيمين وهم زملاء لي أو طلبتي. جاء الاختصاصي الخفر والمقيمون وأدوا واجبهم على أكمل وجه وبعد أن اطمأنيت عليه ودعته وهو في أياد أمينة. كنت أزوره كل يوم حتى مغادرته المستشفى معافى وأعطيته إجازة لمدة شهر ومعها مبلغ من المال تعويضا لإصابته. 

 

ولأبي ثائر قصصا حول الوقت العصيب الذي مر عليه خلال الحرب وهو يحرس البيت مما سأذكرها في فصل بعد الاحتلال. ونحمد الله على السلامة في هذه المرة وفي كل مرة وكل يوم من الايام التي مرت علينا في تلك الفترة.   

اغلاق القائمة