في مستشفى برج أوف ايرن 1972

كنت اعمل في بداية العام 1972 كطبيب مقيم في قسم العيون في مستشفى برج أوف ايرن (Bridge of Earn Hospital)  في اسكتلندا مع الاختصاصي ستانسلاف كيبرت. والمستشفى هي من مخلفات بنايات الحرب العالمية الثانية  وكانت كما تدعى “بنكلة” (Bungalow)  ولكن التحسينات التي أجريت فيها جعلتها مستشفى حديثة بكل متطلباتها. والدكتور كيبرت كان لاجئا من بولندا وكان صارما جدا ولكنه طيب القلب مع المرضى ومعي. وكان حرصه على سلامة المرضى يفوق الاعتيادي. خلال الشهر الثالث من عملي هناك في قسم العيون بدأت أشكو من الم وحرقة في المقعد بسبب اختلاف نوع الأكل عما تعودت عليه  وتغير في  طبيعة الخروج. استمر الألم لأيام وكان في تزايد مستمر ولكني لم أشكو ولم أراجع طبيبا للاستشارة كوني حديث العهد في المكان والبلد وأملي أن هذه الحالة يمكن أن تتحسن بالكمادات. ولكن الألم تفاقم وبدأت أحس بتورم حول المنطقة. في يوم سبت حينما جاء الدكتور كيبرت وهو لم يتخلف أبدا عن عيادته للمرضى فيه صرحت له بما أعاني من الم وتورم. تعاطف معي ولامني لعدم أخباره مسبقا بما أنا فيه. اتصل مباشرة برئيس قسم الجراحة الدكتور باترسون والذي هو كذلك لم يتخلف في كل يوم سبت عن عيادة مرضاه. وعندما ذهبت لمكتبه وأجرى الفحص السريري بدا على وجهه القلق وقال انك تحتاج إلى عملية طارئة الآن، وكيف لم تستشرنا قبل ذلك. انك معرض الآن لانفجار خراج هائل ومضاعفاته الشديدة التي يصعب علاجها. أجريت التحضيرات الطارئة اللازمة ووقعت على الموافقة لإجراء لعملية وتحمل كافة العواقب المحتملة. حينما وقعت عيني على تلك الجملة منعت دمعة من أن تنسكب من عيني لأني كنت وحيدا في هذا البلد ولا يعرفني احد ولايعلم أهلي بما أنا فيه اذ انه من المحتمل أن تحدث مصاعب بعد العملية واختلاطات أو حتى الوفاة. ولكن لابد من المضي في ذلك وهكذا كان وبعد العملية ابلغني باترسون بانه وجد جراحة بمقدار نصف لتر. حمدت الله على لطفه بتوقيت العملية في الوقت المناسب وعلى نجاحها. ادخلت الردهة الجراحية  بعدالعملية وقد تفضل علي الدكتور باترسون بطلبه من الممرضة المسؤولة بان تفرغ لي غرفتها للرقود فيها حيث كانت الردهة تحوي حوالي العشرين سريرا متجاورة كما في مستشفيات العراق. وأغرقني الجميع باللطف والرعاية ومما يعلق في ذاكرتي هو توفير جهاز الفونوغرام والعديد من الأسطوانات الفنية الإسكتلندية.

 جهاز الفونوغرام الذي كان في غرفتي

 

وكان أفضلها عندي أغاني السير هاري لودر مغني الفولكلور الإسكتلندي والذي منح لقب سير “فارس” لخدماته الفنية الترفيهية للجنود البريطانيين خلال معارك الحرب العالمية الثانية. تعلمت بعض الفولكلور الاسكتلندي الجميل وبعض التعابير باللغة الاسكتلندية القديمة (Gaelic) والتي كان يرددها هاري لودر في أغانيه الشعبية.

 المغني الفولكلوري الاسكتلندي السير هاري لودر مع صديقه ونستون تشرشل ومع شارلي شابلن

 

كانت الرعاية “الاسكتلندية” الحميمة التي قدمها لي الجميع لاتغني عندما كان يحين موعد تغيير الضماد اليومي الذي يقوم به الطبيب المساعد لباترسون وكانت تتم تحت تأثير المورفين لشدة الألم. وكنت أخشى في حينها من احتمال الإدمان عليه لاستمرار الحاجة له لفترة أسبوعين تقريبا. ولم تكن الاسبوعين التاليين مقرونة بالالم ولله الحمد والمنة بأن تم الشفاء بعد حوالي الأربعة أسابيع وعدت الى عملي في قسم العيون بكامل صحتي. (تفاصيل ذك في فصل التدريب في طب العيون

اغلاق القائمة