عبدالهادي الخليلي في المدرسة المتوسطة

 

بعد الرحلة الممتعة في مدرسة ابن حيان الابتدائية التي ابتدأت بالدموع وانتهت بالضحكات، دخلت الصف الاول في مدرسة الكوفة المتوسطة للبنين سنة 1954. تقع مدرسة الكوفة المتوسطة على الطريق الرئيس المؤدي الى مسجد الكوفة. بنايتها صغيرة نسبيا  والصفوف على خط واحد مواجه للشارع. قبل دخولنا فيها كان فيها المرحلة الاعدادية  (الرابع والخامس) بالإضافة للمرحلة المتوسطة .  وأتذكر ان المرحوم الدكتور جعفر الكويتي الذي يتقدمني بسبع سنوات دراسية كان قد درس الثانوية في نفس المدرسة والتي كان اسمها ثانوية الكوفة. يبدو انها أغلقت بسبب قلة عدد الطلبة أو الكادر التدريسي المتمرس  فيها.    في تلك المرحلة كان مدير المدرسة الاستاذ جاسم الحسيني ومن المدرسين الذين وضعوا بصماتهم على الجميع كان: الاستاذ محمد الشكري (الكيمياء)، عزيز حنوش (الرياضيات)، ويونس السامرائي (اللغة العربية)، وأحمد السهروردي (التاريخ)، وعباس الوهاب ومحمد سعيد الحكيم (اللغة الانكليزية)  وعبدالرحمن حلمي (الاحياء) وعبد الله عمران (التاريخ) وحسين السبع (الرياضة) وغيرهم.   

اساتذتي في الدراسة المتوسطة:  أبدأ بالاستاذ عبدالرحمن حلمي الذي أثر بي كثيرا.  لقد قدم الاستاذ عبد الرحمن المصري الجنسية  من مصر الى العراق ليجري بحوثا على ضفادعها ويدرس علم الاحياء. كان ضخم القامة أبيض السحنة مستدير الوجه ذا لحية مقتصرة على الحنك (العنفقة) وكان يلبس قميصا بنصف كم شفافا لم نر مثله قبل ذلك أبدا.

الجلوس: من اليمين؛ عبد الرحمن حلمي (مصري)، محمد الشكري، جاسم الحسيني، عبد الله عمران، حسين السبع الوقوف: محمد الصباغ (كاتب المدرسة) يونس السامرائي، أحمد السهروردي، عزيز حنوش، سعيد الحكيم، حسين حمدي

 

للاستاذ  مختبر في منزله يجري فيه التجارب على الضفادع التي يربيها حتى تتزاوج وتبيض ويتابع نموها وأدوار استحالتها  بأدق التفاصيل.

 مراحل التطور الجنيني للضفدع

 

حينما تتطلع على شخصيته وكفاءته  ترى أنك أمام عالم باحث واستاذ أعلى بكثير من مستوى مرحلة الصف الاول المتوسط.  في دروسه غالبا ما يجلب مجهره الخاص الى الصف وهو  مجهر من نوع   متطور يصلح للتدريس لم أر مثله في مختبراتنا  في الكلية الطبية أو المستشفى الجمهوري حينما كنت طالبا أو عندما أصبحت طبيبا مقيما. حينما ننظر بالمجهر  كان يؤشر بقلمه الرصاص الذهبي الطلاء على صورة توضيحية رسمها على ورقة بالقرب من المجهر نرى نهاية قلمه المدببة   يؤشر وكأنه داخل المجهر يدلنا على ما يجب ان نلاحظه من بيوض أو دعاميص الضفدع وهي جزء من أدوار الاستحالة التي يمر بها نمو الضفدع  وكان ذلك يبهرنا مثلما يبهرنا الاستاذ ببراعته واسلوبه العلمي. نشرت عنه مجلة العالم الامريكية وكانت واسعة الانتشار في حينها مقالا بعنوان “عالم ترك ضفادع مصر واتجه الى ضفادع العراق”.  كسبنا بوجوده درسا في الحياة بأن العالم الباحث يكافح ويتخطى الصعوبات في سبيل تحقيق هدفه العلمي. فقد ترك مصر العظيمة في ذلك الزمن ليدرس في مدرسة متوسطة في مدينة صغيرة في بلد غريب من أجل البحث والتعمق في العلم. كسبت حب العلم والبحث من تعلمي من هذا الأستاذ ذوالوزن العلمي المتميز وأنا في الاول المتوسط .

جاسم الحسيني: مديرا للمدرسة المتوسطة، طويل القامة نحيف  البنية لطيف المعشر سريع الخطى شديدا في إدارته يتابع كل صغيرة وكبيرة وتراه في كل مكان. يأتي كل يوم من النجف التي يسكن فيها وهو من أهلها. كانت إدارة المدرسة المتوسطة أسهل من إدارة المدرسة الابتدائية لكون الطلبة في هذه المرحلة أكثر نضوجا وتقديرا لمسؤلياتهم الدراسية والسلوكية.

عبد الله عمران: كان يدرس التاريخ في الصف الاول ولكن ليس بالاسلوب النمطي، حيث كان الدرس ممتعا جدا لان فيه تفاعل الطالب مع المادة والاستعداد  لمادة للدرس مسبقا. قصير القامة نحيف البنية بصلعة خفيفة هادئ النبرة. تميز بسعة معلوماته وكمثال على سعة معلوماته ورغبته بتوسيع أفق الطالب القصة التالية التي استخدمتها كمثال على نفس السياق الذي زرعه عبد الله عمران فينا. والقصة التي حكاها لنا كما جاءت وباللغة الانكليزية وهو يترجم ما صعب منها علينا،  هي إن نابليون بونابرت حينما خسر معركة حاسمة في إحدى صولاته كان يجلس بين قادته في قعر الوادي التي تطل عليه جبال الالب والكل منكسر المعنويات يندب ماآل اليه الجيش وسمعة فرنسا. وإذا بنابليون يطلب اجتماعا عاجلا للقادة بعد منتصف الليل. فاجأهم بخطة جعلتهم واجمين إذ قال لهم: هل يتمكن جيشنا تسلق جبال الألب للقيام بهجوم غير متوقع وفجائي على العدو المنتصر والمتعسكر في السفح الآخر لجبال الألب؟ وكان من المستحيل أن يتوقع أحد أن يحدث ذلك لارتفاع قمة جبال الالب وشدة انحدارها ومعاناة جيشه من الانكسار والخذلان. فأجاب القادة على سؤاله القصير الواضح: هل يمكننا القيام بهذا الهجوم؟ فكان الرد: نعم، ولكن. وهنا انتفض نابليون قائما وقال ليس في قاموسي كلمة: ولكن. وبالفعل فقد جمع نابليون جيشه ودفعه عبر جبال الألب وقام بالهجوم المفاجئ الذي باغت فيه العدو المنتصر والذي لم يأخذ أي حذر من هكذا هجوم، وانتصر نابليون وسجل سابقة عسكرية وفن قيادة رائدة بتحقيق مفاجأة العدو من حيث لايحتسب.

أحمد السهروردي: جاءنا الاستاذ أحمد من بغداد يدرس مادة التاريخ للصف الثاني. مربوع الجسم مائل للقصر مستدير الوجه قصير الشعر. كان ممتلئا بالحيوية وسعة الافق التاريخي. أحبته المدينة وأحبها. كان يتوسع في تدريس المادة خارج نطاق المنهج المقرر. 

عباس الوهاب: شعلة من الذكاء والمتابعة هو الاستاذ عباس الوهاب وينحدر من عائلة آل طعمة الكربلائية المرموقة. كان يعشق اللغة الانكليزية وتدريسها. وكان يخرج في أكثر الآحيان من السياق النمطي في التدريس الى آفاق واسعة من اللغة وآدابها والكل مبهور به وبمادة اللغة بالرغم من انها لم تكن المادة المحببة للكثير من الطلبة.  ولم يقبل بما هو فيه أذ التحق بدراسة الدكتوراه خارج الوطن وعاد قائدا تربويا وٍأستاذا في جامعة يغداد.

محمد سعيد الحكيم: ابن الكوفة والمحبب لأهلها والده العطار السيد أحمد الحكيم الساكن في منطقتنا محلة السراي وكان أخيه كامل من زملاء الدراسة في الابتدائية والمتوسطة. كان الاستاذ الحكيم يدرسنا اللغة الانكليزية بعد ما غادر الاستاذ الوهاب. كان حديث التخرج طموحا في أن يرضي الجميع ويثبت لهم بأنه ذلك الاستاذ الجدير بالتقدير وهو يستحقه بكل ما في الكلمة من معنى.    

عزيز حنوش: عزيز حنوش وما أدراك ما عزيز حنوش فهو “أبو الرياضيات” كما كنا ننعته. تقدم به العمر وانحنى ظهره ومع ذلك كنت تراه داخل الصف بعز نشاطه بدون الجاكيت ويداه “مصبوغتان” بمسحوق الطباشير وهو يميل يمينا وشمالا يتفاعل مع المعادلة ويتلفت بين السبورة والطلبة ولا يترك طالبا الا بعد ان يستوعب المادة.

يونس السامرائي: حل علينا الاستاذ يونس من بغداد وسامراء أستاذا قديرا يدرس اللغة العربية. حسن الهندام هادئا يسير ببطء ويعتني بشعره عناية خاصة ابيض السحنة يميل شعره الى الصفرة. كان متفانيا في تدريس مادته، واسع الأفق ذا ثروة لغوية وأدبية  متنوعة. أحببناه جميعا وكنا متشوقين لسماع الشعر والنثر المنضد منه من داخل وخارج المنهج الدراسي.

محمد الشكري: شاب ملئ بالحيوية والنشاط والعلم وحب المختبر والتجارب المختبرية بالإضافة الى تدريسه في الصف لمادة الكيمياء. كنا نشعر بأهمية الكيمياء والنتائج الآنية الحاصلة من التفاعلات الكيميائية. كان مختبره غنيا بكل مايحتاج الطالب ولم تبق تجربة سطرت في الكتاب المنهجي إلا وقام بها. ولكفاءته العالية وتطلعه للعلم والمعرفة ترك التدريس بعد عدة سنوات وغادر الى الولايات المتحدة للحصول على شهادة الدكتوراه والتي حصل عليها وعاد الى العراق وأصبح أستاذا في جامعة بغداد.

حسين السبع: مربوع القامة أبيض البشرة مستدير الوجهة مليئا بالحيوية والبشر. كان يدرس الرياضة والموسيقى. وبالرغم من كون جسمه مائل للبدانة إلا أنه يتمتع بقدرات رياضية عالية.

الطب قدر لا مفر منه:  حينما أسترجع الماضي وأعود الى طفولتي في مدينة الكوفة وقراري في حينها على أن أسير في درب الطب أتذكر الشعور الغامر الذي أخذ مني مأخذ الجد والتفكير العميق وأنا طفل في السادس الابتدائي وعمري لايتجاوز الأحد عشر عاما.  

لقد فتحت عيني على الحياة وأنا في محيط طبي أعيشه بكل تفاصيله من الصباح الى المساء، حيث كان والدي يتعاطى الطب العربي الاسلامي والذي ورثه من الآجداد خلال خمسة أجيال. فلقد ورث آل الخليلي مهنة الطب من الطبيب الأول الخليل بن علي الرازي أبو الاسرة. كان له من الاولاد أربعة أخذ اثنان منهم طريق الطب وهما محمد حسن ومحمد باقر ونبغوا فيه كوالدهم الخليل. وأخذ أحد الاولاد حسين طريق الدين والفقه ونبغ به هو الآخر فأصبح مرجعا للطائفة  والرابع الملا علي الذي اشتهر بتقاه وورعه. وتفاصيل هؤلاء وبقية عائلة الخليلي مفصلة في فصل آخر. في تلك الحقبة كان هناك من أقران الوالد من أفراد العائلة من يمارس الطب العربي الاسلامي اخيه حسن الخليلي في مدينة السماوة وأبناء عمومته محمد صادق الخليلي ومحمد صادق جعفر الخليلي وصهر أل الخليلي جميل الخليلي وكانوا جميعا في النجف الاشرف وخليل صادق الخليلي أخ محمد صادق الخليلي كان في الكاظمية وكنت أتردد عليهم جميعا عند سنوح أية فرصة.  كان والدي يعالج المرضى في “دار حكمته” في جانب من بيت سكنانا. وكنت أنا وأخوتي نهيء المكان من حيث التنظيف وأكمال المتطلبات من الأوراق والاقلام والسيكاير وغيرها. وكنت أقضي معظم وقتي في معيته وأنا أعيش معه ومع مرضاه. ولقد شدني كثيرا ماأحسست به ومن أعماقي بالعلاقة السحرية بينه وبين مرضاه من طفل ورجل وامرأة وعجوز حيث كان يضفي على العلاقة الطبية معهم بما يتصف به من بشاشته ولطفه واستخدام النكتة العفوية للتخفيف من ألم وخوف المريض. أقول لقد انبهرت بتلك المشاعر والعلاقة وردود فعل المرضى وحبهم وتقديرهم له مما جعلني أفكر بما أحب أن أكون عليه وأنا في تلك السن المبكرة.  وبالرغم من حداثتي وقلة خبرتي وبعد انغماس في التفكير ولا أقول صراع مع النفس ولكنه الانشداد الى فكرة مسار الحياة  قررت في داخلي أن أسلك هذا الطريق وأن أعمل على تحقيقه. وقد نبع ذلك القرار مما عشته في مجلس حكمة (عيادة) والدي من سحر العلاقة وسموها بين الطبيب والمريض.  ولم أبح بذلك القرار لأحد في حينه ولكنه كان في داخلي وكان قرارا نهائيا بالنسبة لي.

اول الغيث: التشريح والكلوروفورم: منذ بدأ ولعي بالطب وقراري بالسير في مسلكه ازداد طموحي في التوسع في زيادة المعرفة. في الصف الثاني المتوسط ندرس في مادة الأحياء تفاصيل تشريح بعض الحيوانات ومنها الحمامة. فكرت أن أطبق ذلك عملياً. ولما كان من الأفضل تشرح الحمامة وهي على قيد الحياة فيجب تخديرها قبل التشريح. اتفقت مع صديق لي يعمل مضمدا في المستشفى أن يجلب لي قنينة كلوروفورم وهي كما معلوم مادة تستخدم في التخدير في ذلك الحين. والكلوروفورم سائل ذو رائحة متميزة يقطر على قطعة من القطن وتوضع أمام الانف للإستنشاق مع الهواء مما يؤدي الى التخدير.

  حمامة مثل التي كانت على “طاولة التشريح”

 

اشتريت حمامة بيضاء وذهبت الى بيت زميل لي كان قد اقتنع بالفكرة وحصلنا على بعض الادوات الجراحية البسيطة. بدأنا بأشباع قطعة من القطن بسائل الكلوروفوم ووضعناها على منخري الحمامة وأذا بها تدخل بسرعة في سبات عميق. وبدأنا  بالتشريح بالالات البسيطة التي جمعناها. لقد كانت تجربة ذاتية وبدون اشراف وبطبيعة الحال فأن الحمامة لم تقاوم وانتقلت الى أعلى منذ الدقائق الاولى فلم تتعذب من “تجارب” الاطفال عليها. وكانت أول مرة أتعامل بها مع الدم الجراحي ومشاهدة الاحشاء عن قرب.

التطوع في الصيدلية في النجف: كما ذكرت سابقا فإن قراري بأن أتوجه الى طريق الطب فقد قررت العمل في صيدلية خلال العطلة الصيفية بين الثاني والثالث المتوسط كي أكون قريبا من الادوية والتي كانت في ذلك الوقت تحضر آنيا في الصيدلية. لم تفتح في ذلك الوقت صيدلية في الكوفة وهذا يعني اضطراري للذهاب الى النجف لتحقيق ذلك وطلبت من والدي التحدث مع صديقه الحاج عبد الهادي علي صاحب مؤسسة بيع العدد الطبية والادوية في النجف وصاحب منتجات هاها، وهي مختصر لأسمه في الانكليزية (Haj Abdul Hadi Ali, HAHA) فاقترح ان أعمل في صيدلية الامير في دورة صحن الامير عليه السلام  وكان مالكها حسب ذاكرتي الحاج محسن عجينة والمهم ان مساعد الصيدلي كان يدعى عبدالامير وهو من معارف الحاج عبدالهادي. فكنت ترى أنواع القناني الزجاجية العملاقة والصغيرة المملوءة بأنواع المحاليل التي تفوح بالروائح المختلفة وهي مرتبة على رفوف خلف منضدة (كابينة) عالية في نهاية الصيدلية. كانت تلك الروائح كأطيب العطور أشمها بكل حواسي !

أنواع القناني من مكونات الأدوية الأساسية في الصيدايات أيام زمان

 

وكان الدواء بعد تحضيره يوضع في قنينة زجاجية يكتب عليها طريقة الاستعمال ويكتب كذلك وبحروف كبيرة “خض القنينة قبل الاستعمال” وكلمة خض باللهجة العراقية تعني رج، لان بعض المواد الداخلة في التركيب تترسب بالركود.  استمر دوامي في الصيدلية بدون أجور ولمعظم العطلة الصيفية وكان مبعث سرور لي وتحقيق أمل. كنت أقطع المسافة من بيتنا وحتى كراج سيارات النجف حيث استقل الباص حتى ساحة الميدان وأتوجه منها الى الصيدلية. انشغل بالعمل بمساعدة السيد مساعد الصيدلي لعدة ساعات ثم أعود من حيث أتيت.  كان ذلك العمل طوعيا وبدون أجور. وأعتقد أني من الاوائل من أقراني الذين سلكوا هذا المسلك الطوعي والذي يعتبر في الدول الغربية الآن ضرورة يجب أن يمارسها كل طالب في العطل السنوية ويعتبر مقصرا إن لم يقوم بها. بقيت أعمل في الصيدلية لحوالي ستة أسابيع. كانت لهذه التجربة الأثر الواضح في تثبيت قراري مع نفسي بأن أسلك طرق الطب ولأكون طبيبا يحفظ تراث العائلة الطبي ولكن من خلال الطب الحديث. 

فشل في الجولة وربح في المعركة: وعود على بدء، فقد كانت نهاية العام الدراسي 1956-1957 مأساوية ومصيرية في حياتي، حيث تغير نظام امتحان البكالوريا (الامتحان الوطني) الصف الثالث المتوسط الى امتحان تخصصي سمي بالأمتحان “التحضيري” وشاملا مادة المراحل الثلاث (الصف الاول والثاني والثالث). ويحق للطالب اختيار الدروس العلمية: الرياضيات والطبيعيات بكل أقسامها، أو الدروس الادبية: اللغة العربية والتاريخ والجغرافية. فمن يجتاز التخصص العلمي يؤهل للدخول في الفرع العلمي والآخر يؤهل للفرع الادبي. أما من يفشل في الامتحان أو لايمتحن بتاتا فله أن يدخل الفرع التجاري. كان الامتحان لدور واحد درجة النجاح %60 درجة مخالفا للمتعارف عليه بإعطاء الطالب الذي لم ينجح أن يجرب حظه في الدور الثاني. وبالرغم كوني من الطلبة الجيدين لم أجتز الامتحان بسبب انشغالي في العطلة الصيفية بمساعدة ابن عمي في بغداد في محل قرطاسيته في الشورجة. والشورجة أسم لأكبر سوق تجاري في العراق لبيع الجملة لكافة أنواع البضاعة ومنها المواد القرطاسية.  ولم أقدر جيدا حاجتي للتحضير للامتحان. كانت نتيجتي: 91 في الرياضيات و 47 في الطبيعيات. وكانت النكسة والصدمة الكبيرة في حياتي. وغطى الضباب أحلام المستقبل في الطب. واضطررت للدخول في الفرع التجاري في ثانوية النجف.  دخلت الفرع التجاري كسير القلب حزين النفس لان هذا سيبعدني عن هدفي المرسوم ان اكون طبيبا. ولكني كنت مليئا بالأمل والعمل لمستقبلي المرسوم في الطب وليس غير الطب. كافحت في الفرع التجاري وحققت نتائج باهرة خلال العام الدراسي فقد أعفيت من الامتحان النهائي اللازم للجميع واعتبرت ناجحا الى الصف الخامس التجاري. وبهذا وفرت لنفسي الوقت “الكافي” للتهيئة للإمتحان التحضيري لبكالوريا الصف الثالث المتوسط للفرع العلمي ودخلت الامتحان كطالب خارجي.  حققت نجاحا عاليا حيث كانت درجتي في الرياضيات 97 وفي الطبيعيات 93. وبهذا تأهلت للدخول الى الفرع العلمي ولكن في الصف الرابع وليس كأقراني الذين انتقلوا الى مرحلة الصف الخامس. ولم يؤثر ذلك على نفسيتي وثقتي بنفسي مطلقا.

بطاقة الاشتراك في الامتحان البكالوريا في العام الدراسي 1957-1958 كطالب خارجي

ماكتبته خلف البطاقة وقررته من قرار

ولابد أن أذكر هنا ماكنت أقوم به في العطلة قبل الامتحان الأول في سوق الشورجة: 

سوق الشورجة: اشتغلت في سوق الشورجة ببغداد في العطل الصيفية حينما كنت في المتوسطة في محل ابن عمي السيد كاظم الحسيني زوج أختي الكبرى المتخصص ببيع القرطاسية بالجملة. كان العمل مجهدا خصوصا عند الاستعداد لبدء الدراسة. كان البيع بالجملة ولكافة أنحاء العراق. كان يفد إلى المحل تجار القرطاسية من مختلف المدن العراقية لشراء الدفاتر والأقلام وكل لوازم المدرسة حيث يترك معنا التاجر قائمة شرائه ونقوم بتجهيزها ونقلها إلى شركات النقل لإيصالها إلى محلاتهم في مدنهم المختلفة. يقوم بالنقل حمالون متخصصون ينقلونها على ظهورهم أو في عربات بدائية. يكون العمل في شهر تموز وآب مجهدا جداً حيث نبدأ في الصباح الباكر وننتهي بعد غروب الشمس. كان العمل هناك طوعيا بالنسبة لي وقد كسبت الكثير من الخبرة في التعامل مع الناس بمختلف ألوانهم من التاجر الشريف الطيب إلى ذلك المحتال المراوغ وكذا التعامل فيما بين تجار القرطاسية في الشورجة والتنافس الشريف فيما بينهم وغير ذلك.

كان تجار السوق خليطا من الفئات الاجتماعية المتباينة عرقيا ودينيا وجغرافيا. كان لليهود حضورا واضحا فكان ساسون وأخيه في المحل المقابل لنا وكانا قد وضعا عنوانا لمحلهما ليس باسمهما وأنما بعنوان ” طباشير العراق، محمد علي حسافة”. ومحمد علي هذا ليست له علاقة بهما إنما هو المنتج الوحيد الطباشير في ذلك الزمن وله العديد من هذه اللوحات موزعة في أماكن مختلفة. لقد استعملا اسم حسافة لعدم رغبتهما بالإفصاح عن يهوديتهما. كانا رجلين طيبين حسنا التعامل ومحترمين من الجميع. ولكن التاجراليهودي الأكثر شهرة كان صالح درويش الذي يقع محله في خان الدجاج وهو سوق فرعي مهم من سوق الشورجة. جرت العادة أن لا بيع تجار القرطاسية في الشورجة بالمفرد نهائيا فلا يمكن شراء دفترا أو قلما بل أن اقل ما يمكن شراءه هو درزن أي اثنا عشر من أي نوع من القرطاسية. وحتى ذلك يعتبر ثقيلا على غالبيتهم فليس لديهم الرغبة في إضاعة الوقت على مشتر فرد بل هدفهم التجار الذين يشتروا مئات الدرازن. والوحيد الذي كان يخالف هذا التقليد كان صالح درويش. فإذا أردت أن تشتري منه دفترا واحدا تراه يسعفك بذلك بلا تردد والأدهى من هذا كان يفتح بند ورق العريضة المتكون من خمسمائة ورقة والذي لايبيع غالبية التجار في الشورجة اقل من عدة بنود للمشتري ترى صالح يفتح غلاف البند الواحد ويخرج لك ورقة واحدة منه ويسعف طلبك ويحل مشكلتك. وهذا شيئ غريب جداً ومستهجن من الباقين. ولكن بالواقع كان صالح يكسب رضا الزبون المضطر ويحل مشكلة وبذا حقق سمعة تجارية طيبة لديه يتحدث بها الزبون أمام أهله وأبناء محلته مما يشجع الكثيرين على الشراء من صالح وهذه سياسة بعيدة النظر لها تطبيق على واقع الحياة حتى خارج هذا المجال المحدود.

المطبعة ونادرة “عزيزي”: كانت مطبعة الزهراء التي يملكها خالي مرزا جواد الخليلي وزوج شقيقتي عزيز علي العصامي   في شارع المتنبي في بغداد من المطابع المهمة في العراق. وكان يفد إليها خيرة المؤلفين من الأساتذة والأكاديميين مثل علي الوردي ونوري جعفر وعبد الرزاق محيي الدين وغيرهم. وكان لي الشرف بلقاء العديد منهم والاستماع إلى أحاديثهم وملاحظة متابعتهم بكتبهم التي تطبع في المطبعة حيث يوفر وجودهم في مختلف مراحل الطباعة الوقت الكثير وتلافي الأخطاء. كانت مراحل الطباعة تبدأ من استلام المسودات إلى تنضيد النص إلى الطباعة. يقرأ المنضد نص الكتاب ليتأكد من عدم وجود أخطاء إملائية ويساعده في ذلك المؤلف ثم يبدأ بالتنضيد الذي إما يكون يدويا بجمع الحروف والأسطر على لوحة معدنية بحافات تمنع انزلاق الحروف التي تكون بارزة في نهاية قضيب حديدي ذا اربع جوانب وبطول السنتيمتر الواحد وبضلع عرضي بحوالي الأربع مليمترات. تصف الحروف مقلوبة جنب بعضها لتكون الكلمات والأسطر والصفحات.

الحروف المنفردة موزعة على الرفوف

 

 تؤخذ منها بعد الانتهاء من تنضيدها نسخة تطبع على ورقة تعرض على المؤلف للتأكد من عدم وجود أخطاء إملائية فيها والخبير في ذلك الأستاذ سلمان السبتي والذي كان مديرا للمكتبة العامة في الكوفة ولي معه علاقة حميمة منذ كنت الصغر حيث كنت من رواد المكتبة الدائميين.  تطور ذلك الأسلوب إلى التنضيد بمكانة اللاينوتايب (Linotype) حيث يتم تنضيد السطر  وتقوم   الماكنة بصنع قالب من الرصاص لذلك السطر وتجمع الأسطر لتعمل صفحة كاملة.

ماكنة اللاينوتايب الى اليسار والحروف المقلوبة البارزة في قالب المصنوع من الرصاص

 

وهذه ساعدت على التنضيد الأسرع من التنضيد اليدوي الذي لم يلغى أبدا وخبير العراق بهذه الماكنة كان عبد الرحمن العسافي. وبعد التصحيح تجمع الصفحات بمجاميع من ثمان أوست عشرة صفحة حسب حجم الكتاب لتطبع في ماكنة الهايدلبرك المتطورة على يد الخبير عبد الجبار الشيخ. ومن ثم يبدأ التصحيف والتجليد على يد الرائع السيد مير. وعند تذكر تلك الايام يشعر الانسان بالأسى من تعامل هؤلاء الأكفاء بالرصاص وغيره مباشرة ومانتج عن ذلك من حالات تسمم لم تشخص وراح ضحيتها العديد من عمال المطابع في ذلك الزمن.   

أنقل هنا جانبا طريفا من حياة أولئك العمال: كان السائد والمتعارف عليه أن اللغة التي يتعامل بها هؤلاء الخبراء من عمال المطبعة مليئة بالكلمات النابية والغير مقبولة اجتماعيا خارج ذلك المحيط  ولكن جميعهم  ينتعشون بها والتي تجعل كل واحد منهم بأخذ حقه من غريمه مع العلم بانهم يتحلون بالخلق العالي والتصرف المتميز مع أي شخص آخر في المجتمع. في كثير من الأحيان يتفاجأ أحدهم عندما يقذف غريمه بكلمات وجمل من تلك المتداولة ولايدري بأن علي الوردي او غيره من الافاضل جالس مع المقصود بالسب ويسمع مايقال مما يسبب إحراجا شديدا للجميع. تكررت تلك الحالة واستاء الكل من ذلك وعندها قرر عمال المطبعة بتغيير تلك الكلمات النابية. بحثوا عن البديل وعندها قرر الجميع باستخدام كلمة “عزيزي” الطيبة في معناها والمبطنة في داخلها والتي تعني عند الجميع خلطة من كل الكلمات النابية التي تشتم  ألاهل والأجداد والأعراض وكل ماهو غير مقبول. والذي حدث مثلا  أن عبد الرحمن يتحدث مع عبد الجبار بوجود الأستاذ المؤلف وعندما ينزعج من عبد الحبار يقول له انت عزيزي. فإذا بعبد الجبار ينتفض بهياج قائلا انت وأبوك عزيزي. يظهر على الأستاذ الاستغراب فيقول لعبد الجبار لم الغضب لقد قال لك عزيزي وهي كلمة طيبة!. يرد عليه عبد الجبار ياسيدي الأستاذ انت لاتعرف المقصود من كلمة عزيزي فهي كلمة غير الذي تعتقده. وعند الإفصاح عن معناها يضحك الجميع على هذه الفبركة اللغوية الاجتماعية.وفلقد كانت  للقيم الأخلاقية مكانتها واحترام العلم والثقافة منزلة كبيرة في قلوب وعقول الجميع.

اغلاق القائمة