الولادة: ولدت بناريخ السابع من جمادي الاول 1362 الموافق الحادي عشر من شهر مايس 1943 في مدينة الكوفة لوالدين من آل الخليلي. علت الزغاريد في تلك الساعة وارسلت البشرى للوالد الذي حمد الله وأثنى عليه وتوجه الى مصلاه وأخذ قرآنه الشخصي وكتب عليه في أحدى صفحات سورة البقرة عند الآية 256: 

بمنِّه تعالى لقد منَّ الله عليّ من بعد أن وهن العظم مني واشتعل الرأس شيب بمولود في شهر جمادي الاول في اليوم السابع ليلة الأربعاء بين الطلوعين من سنة 1362 وقد سميته عبد الهادي وكنيته “ابو الخير” ولقبه “الموفق”

 

وقد أشار الوالد (تولد عام 1900)  الى عظمه الواهن والشيب الذي غمره وكان عمره في ذلك الوقت ثلاث واربعين سنة فقط!

 كانت الكناية واللقب معروفتان في تلك الحقبة من الزمن في مجتمع الكوفة والنجف الثقافي، الذي يزهو بالأدب والعلم والتراث كامتداد للتراث العربي لذا بعد أن قرر أن يكون اسمي عبد الهادي وكناني بأبي الخير ولقبني بالموفق وقد سرى ذلك على إخوتي الخمسة من بعدي.

تأريخ الولادة شعراً: جرت العادة في ذلك المجتمع  ان يثبت بالشعر تاريخ أي حدث ذا أهمية شخصية أو عامة مثل ولادة ولد أوعقد قران أو حدث أعم وأشمل . وهذا فن تميز به بعض الموهوبين من الشعراء الذين لهم القدرة اللغوية مصحوبة بتطويع الحروف اللازمة لصناعة بيت شعر بليغ يؤرخ الحدث. يبدأ تاريخ الحدث بعد  كلمة “ارخ” او “أرخوا ” أو “ارخته” أو “أرخوه” أو “أرخت ” أو “ارخه ” أو مؤرخا”.

وحسب الجدول التالي  بطريقة أبجد هوز. تبدأ الارقام من حرف الالف الذي قيمته واحد ثم الباء اثنين وهكذا الى عشرة ومن ثم يكون العد بالعشرات الى مائة وبعدها يكون العد بالمئات حيث تكون قيمة الحرف (غ ) الثامن والعشرين الاخير في الابجدية الفا.

يكون حساب الأرقام كما في الجدول التالي:

وفي هذا السياق ثبت  تاريخ ميلادي شعرا فقد سطر المرحوم الوالد مايلي في احدى الصفحات البيضاء في مقدمة القرآن الكريم والتي تركها لكتابة ملاحظات تاريخية:

 “لقد تفضل سماحة الشيخ محمد كاظم آل الشيخ راضي بهذه الأبيات تاريخاً لولدنا عبد الهادي”   

    نِعَم الله لاتزال علينا              سابغات تعم كل العبادِ

   ان من صنعه الجميل  الينا ان  حبانا  بأجمل  الأولاد                                

   فجدير أخي أن نشكر الله         على فضله مدى الآباد                                                  

   من عيون الحساد صنه وأرخ: بالإمام الهادي عوَّذت هادي 1362 (1943)

وهنا أعتقد انه من المناسب أن أذكر ميلاد إخوتي الخمسة المثبت بقصائد اخترت البيت الاخير منها والذي يؤرخ الميلاد: 

ميلاد ضامن: (كنيته علم الهدى ولقبه المنصور) الشاعر السيد محمد جمال الهاشمي:                          

يبقى بظلك آمناً فادعوا الله       وأرخ: قل يحرس الله ضامن  1365  (1945)

ميلاد كافل:(كنيته أبو المحاسن ولقبه المؤيد) الشاعر السيد محمد جمال الهاشمي:                           

عش سعيدا بهما ماعاش تاريخ:        ذكر الحج في مقدم كافل1967 (1947)

ميلاد صفاء: (كنيته أبو النصر ولقبه الرفيع) الشاعر محمد الخليلي:                                           

ومذ لمولودك تاريخ:زها            رأيت في العيش هناء وصفا 1368 (1949)

ميلاد فائق: (كنيته أبو الفوز ولقبه الساطع) الشاعر السيد محمد الحسيني الحلي:                                                                                         

قال سل عنه أباه فهو أدرى بالحقائق          سله لما أرخوه: هل غدا في الحسن فائق؟ 1372 (1954)

ميلادأسعد:(كنيته أبو المفاخر ولقبه السعيد) الشاعر محمد الخليلي:                                           

طاب جنباه وليدا من نجيبين تولد       جاء بالسعد فأرخ: وغدا دهرك أسعد 1375 (1957)

فإذا ماجمعت قيم الحروف في عجز البيت الاخير بعد كلمة “أرخ” في تاريخ ميلادي سينتج الرقم 1362 وهو عام الميلاد. وهذا يقابل 1943 بالتاريخ الميلادي. فيكون يوم الميلاد في السابع من جمادي الأول 1362 يقابله في التاريخ الميلادي اليوم الحادي عشر من مايس عام 1943.

حال العائلة: كان ميلادي حدثا مرتقبا مصحوبا بالفرح من الجميع ولكن بوجل وخوف بسبب فقدان متكرر لولدين وبنت قبل ولادتي. الفقيد الاول كان اسمه محمد رضا (سمي  باسم جدي)، وهو أخ غير شقيق من زوجة والدي السابقة التي توفاها الله مبكرا. توفى محمد رضا وله من العمر أريع سنوات بعد ان سقط من شباك غرفة في الطابق العلوي من بيتنا تدعى بـ “الأرسي”  والتي فيها شباك خشبي مزخرف شاع  استعماله في الغرف المشرفة على الشارع أو ساحة الدار الداخلية.

الغرفة “الأرسي”

 

ارتطم رأسه بارضية الشارع وفقد وعيه وتوفي بعد سويعات كما ذكر لي والدي بعد حين. وبعد ذلك توفي أخ لي (مهدي) بعمر يقل عن السنة بسبب مرض أصابه. وكذلك وفاة أخت لي (زهراء) بعمر السنة. ومن غير المستغرب وفاة الاطفال في ذلك الحين في اربعينيات القرن حيث أن الطب والجراحة لم يشهدا التطور في ذلك المجتمع بالاضافة الى عدم اكتشاف الادوية المضادة مثل البنسلين بعدُ (اكتشف في العام 1928 واستخدم عام 1942).

الوسط العائلي: كانت ولادتي في بيت عرف أهله بالعلم والفقه والطب والادب والقانون والتجارة حيث سطرت كتب التاريخ  ما يربو على 25 شخصية مبرزة في الطب العربي قديما، من اشهر نوابغ هذه العائلة أبو العائلة خليل الخليلي الرازي (1766-1863) الذي كان يسمى افلاطون زمانه وولده المجتهد الشيخ حسين الخليلي (1908-1813) الذي كان أحد أركان حركة (المشروطة)  التي كانت تدعو للحكم الديمقراطي في الشرق الأوسط عام 1906. ونجله المصلح محمد تقي الخليلي، وكذلك الأديب الاستاذ جعفر الخليلي (1904-1985) والمحامي التاجر صادق الخليلي  (1912-1981) وغيرهم من الأفذاذ، ولا يمكن ان يغفل القلم عباس الخليلي (1896-1972) الذي حكم بالاعدام لاشتراكه في مقتل الضابط البريطاني مارشال في النجف عام 1918، اما حديثا فان العين لا يمكن ان تخطيء الاساتذة والمتخصصين في شتى مجالات العلوم والثقافة والاداب وفي شتى مجالات الحياة.

 والدي الشيخ محمد صالح الخليلي عند ولادتي والاخرى في سنينه الأخيرة

 

الوالد: ولد الشيخ محمد صالح الخليلي في مدينة السماوة في محافظة المثنى الحالية وهي من بادية العراق عام 1318 هجرية (1900 ميلادية). نشأ فيها  ودخل المدرسة الرشدية على عهد الأتراك وأكمل الصف السادس. انتقل إلى النجف الاشرف حيث دخل المدرسة الأهلية العلوية، اتجه على سيرة الاباء والاجداد الى مهنة الطبابة فتعلمها من أفراد العائلة الذين كانوا يمارسون المهنة من آل الخليلي. ولا زال السجل الذي كان  يدون فيه ما تعلمه من دروس في الطب العربي اليوناني محفوظا عندي. انتقل الى رحمة الله تعالى في التاسع من أيار (مايس) من العام 1978(1399 هجري). 

استقر في الكوفة وخدم هذه البلدة المقدسة من خلال مزاولته الطب. فكان يطبب في (برّاني)  بيته وهو الجزء من البيت المعد للضيوف. وله فيه مجلس حكمة ذا صالتين؛ واحدة للرجال وأخرى للنساء. وكان محل جلوسه أمام فتحة ما بينهما. حيث يمكنه فحص الرجل في الصالة و النساء من خلف الستارة بدون إشراف أحدهما على الآخر.  كان للكوفة نعم المواطن الصالح الذي قام بما يجب لخدمة أهلها طبيا واجتماعيا. قال له أحد أهلها مرة عندما زاره وهو يشكو من ألم في المثانة:

يا طبيب البلد  يالمــالك  مثيل     ريت لن يأيدك رب الجليل

ريت  لن  يأييدك  رب  الــعباد   ولايـراويك يمرزا بالدنيا نكاد      

انت حسن اخلاق عندك موعبوس  والمريض وياه متدور فلوس

 وآنه اشكي لك يمرزا علــتي  هواية ما خذني الحريج بسوتي       

وانته معنه ومادة عن حاجتي…..

(تعني كلمة مرزا في القواميس العربية الحكيم وهي متداولة في التركية والفارسية بمعنى الامير)

أحب والدي الشعر ونادم الشعراء ولكنه كان مقلا في النظم.  قال حينما كان مقيما مع المصابين بمرض الكوليرا يساهم في علاجهم في الحجر الصحي لعدة شهور عام 1931 وكان كل العاملين في المحجر يمنع عليهم مغادرته حتى انتهاء فترة الحجر:    

           الا من مبلغ عني سلاما             لمن لاابتغيه بسواد أنسي          

         فيخبره بما في من شجون            والام    وأفكار    بحبسي  

   تقشر من هجير الصيف وجهي           وأعدمني الشتاء جميع حسي              

قضى وقت اصطيافي وسط حجري         فهل وقت  الشتاء  يكون  رمسي              

        فايلول بحمد الله ولى                   وذا تشرين يأتي بعد خمس

وله في الاخوانيات عندما أقام وليمة فاخرة لاصدقاء له من أدباء وشعراء من النجف الا شرف  أنشدهم خلالها قصيدة طويلة منها: 

الحمد لله على حسن الصـــدف    إذ شرف الأخوان من ارض النجف            

فــهاكــموها نعمـــة الوليـــمة      وليمــــــة والله ذات قيمـــــــــــــــة            

هذا طبيخ الماش فيه اثنا عشر      من الخضيــــــري اللطيف المـــعتبر            

مطبـــقا مكشـــمشا مزعفـــرا      وحــوله الحلـــوى تضـــوع عنبـــرا

(الخضيري هو طائر مائي يشبه الوز)

كان رحمه الله شديد الالتصاق بالكوفة وعائلته وآل الخليلي. لم يخلو بيته من أحد أرحامه يعيش فيه كأحد أفراد العائلة حتى يمكنه الاعتماد على نفسه فيغادر لمعترك الحياة. استمر هذا الحال لحوالي العقدين. أما ديوان بيته ومنقلة القهوة و”القمقم” والدِلال الستة المتسلسلة في الحجم فكانت منصوبة اغلب الأوقات لإخوانه ومحبيه ومن يزوره من خارج المدينة. كان مجلسه عامرا بالاصدقاء من وجهاء الكوفة مثل السید شبر ال شبر والحاج جعفر الشیخ علی والشیخ کاتب الطریحي والاستاذ نعمان امين  والحاج حمد تويج والحاج وداعة مرزة والسيد أحمد ربيع والحاج محسن الصباغ والحاج محمد حسين العطار وغيرهم من الوجهاء والتجار والموظفين  والكسبه…. وغير ذلك من علماء و وجهاء النجف وبغداد و اغلب المدن العراقية.

ترك الطبابة  حيث رأى أن لامكان للطب العربي بعد واتجه الى التجارة وافتتح (خانا)  كما الخانات الكثيرة التي كانت منتشرة في المدينة.

البطاقة الشخصية للشيخ محمد صالح الخليلي

 

الخان (مستودع لتجارة الغلة): عرفت مدينة الكوفة بكثرة الخانات ومنها خان الوالد. يجلب الفلاحون الغلة للخانات والتي تشمل الرز والحنطة والشعير والتمر المحملة على ظهور الجمال أو الحمير. تخزن الغلة داخل الخان ويعمل منها  “هرما” . يوضع على القمة رقم للغلة ويكتب على قطعة مربعة من “التنك” القصدير وهذه اللوحة مثبتة بمسامير على لوح من الخشب مدبب النهاية وعريض النهاية الاخرى التي ثبتت عليها لوحة التنك.

 اللوحة التي توضع على قمة الغلة

 

 وعند بيع أي من “أهرام “الغلة  توزن بميزان من زنبيلين من خوص سعف النخيل ومربوطة بكل من الزنبيلين بثلاث حبال  تركبان بنهايتي عمود من الخشب مما يكون ميزانا بكفتين. توضع في كفة قطعا من الطابوق القديم أو الحصى وهو الوزن المتفق عليه والغلة في الزنبيل الاخر. ويبدأ الوزن الذي يمكن أن يستغرق ساعات عند وفرة الغلة. ويكون تعداد الوزن من مسؤولية شخص غير الوزان الذي يملأ الميزان. يضع المسؤول عن العد قطعة “سيفون: وهي الغطاء المعدني الذي تغلق به قنينة شراب المرطبات. وتضغط السيفونة من الجانبين بحيث تكون على شكل مغزلي مدبب من نهايتيه. يضع لكل زنة سيفونة وتوافقا مع ما ينطق به الوزان في كل زنة. وبعد انتهاء الوزن يقوم وبإشراف صاحب الغلة بتعداد السيفون لمعرفة الوزن النهائي.

الميزان الذي يستخدم لوزن الغلة

 

كان هذا الخان في سوق البوشمسة المؤدي الى سوق البزازين (تجار الأقمشة). كان الخان واسعا ذو (لواوين)  وحجرات بالعشرات تخزن فيها الغلة التي يجلبها الفلاحون وهي الرز والحنطة والشعير والتمر حيث تعرض على التجار الراغبين بشراءها.

 صورة في داخل الخان

 

مع الزعيم عبد الكريم قاسم:

من آثار المرحوم محمد صالح الخليلي المشهودة لخدمة مدينته أنه ساهم مع أعيان المدينة ومسؤوليها في مقابلة الزعيم عبد الكريم قاسم حينما زار الكوفة، وبناء على التماسهم تحولت المدينة من ناحية الى قضاء في الثلاثين من شهر تشرين الثاني/ نوفمبر 1962

الزعيم عبد الكريم قاسم والوالد الى اليسار وبينهما الحاج جعفر الشيخ علي

 

العائلة: تزوج المرحوم والدي بزوجتين توفيتا قبيل أن أفتح عيني على الحياة خلف من إحداهما بنتا واحدة. ثم اقترن بوالدتي السيدة فاطمة بنت جواد أحمد حسين الخليلي المرجع الأعلى للشيعة في حينه، المولودة في النجف الأشرف عام 1912 والمتوفاة الى رحمة الله في 20 مارس عام  2012، وقد اطال الله عمرها لما يقرب المئة عام، ولهما من الذرية ستة ابناء وسبعة بنات:  الابناء: عبد الهادي (أستاذ جراحة الدماغ)، ضامن (أستاذ الهندسة الكهربائية)، الشهيد كافل (تاجر)، صفاء (محامي)، فائق (أستاذ الزراعة)، أسعد (إدارة واقتصاد). البنات: حبابة (من أم توفيت مبكرا) زوجها السيد كاظم الحسيني أما الشقيقات من الأم والأب فهن: ماجدة زوجها الاستاذ عزيز العصامي، حكيمة زوجها الاستاذ عبد الصاحب الخليلي، هيفاء زوجها الاستاذ سامي جاسم بلاش، نعماء زوجها الاستاذ الدكتور نعمان الخليلي، فائقة زوجها الاستاذ حسن الخليلي، فائزة زوجها الاستاذ الدكتور محمد جواد الطريحي… وقد ربى أولاده على قيم العائلة وعلى حب الناس والتفاني في خدمة الآخرين، وكان مجموع المتعلقين به الى سنة كتابة هذا المؤلف، من الأبناء والاحفاد 123 فردا.

اللوحة التي نشرت فذكرى وفاة الوالد رحمه الله

 

نظم الشاعر الاستاذ محمد نجل الشاعر الكبير الشيخ علي البازي قصيدة تؤرخ وفاته قال فيها:

عَمّاه ياصفوة َ من شيدوا        صرحاً لطب النجف الجليلِ

يابن الذين قد سما عِلمَهم        فوق السهى بالعمل الجميل

فثورة العشرين أقطابهــا       تنادهوا عزماً لنصر الجيل

(عباسُكم) من بين أركانها      قاسى لظى مستعمرٍ دخيل

إيه أبا الهادي وذي نفثةٌ        من قلب مصدور بها عليل

يوم غياب الطب تاريخه      (سمِّه غاب الصالح الخليلي) 1978 

وكذلك رثاه الدكتور المحامي محمد جواد الطريحي بقصيدة  منها:

(ابا الهادي) وان النظم يسمو          فانت بسلكه  عقد  جمان


رحلت فلم تكن تسطيع صبرا           ودنيانا ابتلاء   وامتحان


بـ (هديك) قد (صفا) للناس رشد (تكفل) منه للاخرى (ضمان)

للجيل نهج(سعدت) بما عملت (وفقت) فينا فقر عينا بمسعاك الامان


لانك   (صالح)  قد  شيعته            لواء  الخلد  اثار  حسان


جزيت بما نلت بدار (دنيا)            لدى (الاخرى) بفردوس يزان


وبـ (الاثنين) فالتاريخ (يحكي         قداحتفلت لصالحنا الجنان)


وقد ضمن اسماء اولاد المرحوم في الشعر: (هديك) اشارة الى عبد الهادي (صفا) اشارة الى صفاء (ضمان) اشارة الى ضامن
 (تكفل) اشارة الى الشهيد كافل (سعدت) اشارة الى اسعد
 (وفقت) اشارة الى فائق. و(الاثنين) كان يوم التعزية الحسينية في داره.

سجل الميلاد: كان نظام الدولة المتبع في ذلك الزمن أن يثبت تاريخ ميلاد العراقين في الأول من تموز من كل عام لصعوبة التأكد من يوم الميلاد الحقيقي لأسباب إدارية واجتماعية. لذا أصبح تاريخ ميلادي المثبت في سجلات النفوس هو الأول من تموز عام  1943 علما بأن الميلاد الحقيقي هو كما ذكر سابقا هو الحادي عشر من مايس من نفس العام.. لقد حوَّر تاريخ ولادتي في استمارات إحصاء النفوس لعام 1957 حيث كانت التعليمات في حينها أن من يقل عمره عن الثمان عشرة سنة عند تخرجه من المرحلة الثانوية (الإعدادية) لايقبل في الكلية وكان تقديري  بأني سأحرم من الدخول الى الكلية فلهذا السبب أضفت عاما لعمري في الاستمارة فأصبح ميلادي في الاول من تموز عام 1942. 

الرعاية: تمتعت برعاية  بالغة من الأهل جميعا كما علمت بعد حين، حيث كانت ولادتي بعد ان نفذ صبر الوالد الذي “تقدم به العمر” فكانت الفرحة بالغة بين الاهل والجيران والاصدقاء الذين يكنون للوالد الحب والتقدير لكونه راعي الاهل والاقارب وأهل المدينة وامتد الاهتمام بي الى خارج البيت والمحلة كونه طبيب المدينة الأقرب لنفوس أهل الكوفة.  كنت المدلل الذي ينتقل بين الأيدي ويطعم ما لذ وطاب!!. ويظهر انه لم يعد حليب الوالدة يكفيني فكنت “بضيافة يومية” ولفترة غير قصيرة لدى زوجة طبيب المدينة  الرسمي في حينها الدكتور الياس ديب وهو طبيب لبناني يعمل في العراق والذي كان يسكن مقابل بيتنا في محلة السراي وكانت في ذلك الوقت ترضع ابنتها “رباب” كما ذكر لي.

ذكريات خاطفة: بدأت وأنا طفلا أشعر بما حولي قبيل دخولي الى المدرسة الابتدائية. وأتذكر شريط الطفولة السينمائي ولعل بعض ما أتذكره حول تلك المرحلة هي ومضات عابرة وبعضها كانت مما ذكره لي الاخرون بعدئذ. ومما علق في ذاكرتي هو ذهابي الى بغداد في العام 1947 وعمري لم يبلغ الخامسة بعد لاستقبال والدي في المطار لدى عودته من الحج. كان المطار في موقع مطار المثنى الحالي واتذكر وجود سدة ترابية موازية للشارع حملني أحد الاقارب لأتطلع من أعلاها على الطائرة عند هبوطها ونزول الوالد من على السلم و هو حاسر الرأس ويرتدي  رداءا ابيضا (دشداشة)  ويتمنطق بنطاق يدعى “الهميان”  والذي تحفظ فيه النقود وجواز السفر واوراق اخرى.

سقوط الثلج والهزة الارضية: ومما أتذكره كذلك هو نزول الثلج في أحد شتاءات الأربعينيات. نزل مرة واحدة فقط ولفترة قصيرة لم تتجاوز الساعة الواحدة. كان الثلج المتساقط على شكل وفر يتطاير ولعدم رؤية ذلك من قبل، كنا نعتقد بان الثلج كان قطنا متناثرا كما يحصل عندما يندف النداف القطن وهي مهنة كانت في زماننا حيث ينفش قطن الفراش ويعود “اسفنجيا” كأنه صنع توا. علما بأن الحالوب (البرد) يتساقط في الشتاء وقد تعودنا عليه. وما أذكره كذلك هو حدوث هزة أرضية خفيفة حينما كنت في ذلك العمر مما سبب سقوط احدى المساند الأربعة لخزان الماء الذي كان في ساحة بيتنا الداخلية. وقد سقط جانب من الخزان بسب ذلك وسكب بعض من الماء.

بيتنا: يقع بيتنا في الشارع الرئيس في محلة السراي الذي يصل نهاية المحلة بالسوق الكبير الذي يدعى بسوق “البو شمسة”.  ومابين بيتنا ومدخل السوق عدة بيوت بينها مسجد “بنت الملا” الشهير في المدينة. وفي هذا المسجد تقام الاحتفالات الدينية والاجتماعية المهمة.  وفي تقاطع الشارعين يوجد عمود  كهرباء في أعلاه مصباح كبير كنا نحن الاطفال نجتمع حوله كل مساء نتسامر ونلعب وسأفصل أحاديثنا وألعابنا في مكان آخر. كان تصميم بيتنا كغالبية البيوت المعروفة في المدينة. فحين تدخل من الباب الرئيس تواجه ثلاثة أبواب داخلية: على اليمين باب “الدخلاني” الذي يؤدي الى العائلة والذي على اليسار يؤدي الى “البراني” حيث “عيادة” الوالد ومقر اجتماع الاصحاب والباب الثالث يؤدي الى أعلى حيث المجلس الاجتماعي المفضل ومكان استقرار الضيوف الذين يفدون من مدن أخرى وفي الغالب لم يخل بيتنا منهم. في ساحة البيت كان هناك خزان ماء من القصدير ولم يكن خزان السطح معروفا في مدينتنا في تلك الحقبة من الزمن. هناك في البيت غرفة كبيرة مطلة على الساحة المفتوحة تدعي بـ”الأُرسي” حيث ان جانبها المطل على الساحة مصنوع من خشب مزجج وبطبيعة الحال يحوي البيت غرفا اخرى. وهناك السرداب  الذي يؤدي اليه سلم بحوالي عشر درجات. الشئ الذي يستحق الذكر هنا هو وجود “البادكير ” أي أن حائط السرداب مبنيا بجدارين  تفصلهما مسافة قدم تقريبا  والحائط الداخلي لاينتهي الى أرض السرداب بل يقف عند مسافة القدمين منها  بحيث تترك فتحة كبيرة بين نهاية الحائط الداخلي وارض السرداب وتستمر هذه الفتحة من خلال جدران الغرف فوق السرداب ليصعد من خلالها الهواء الحار الى سطح الدار  والفضاء الخارجي وبهذا يحدث تيار هوائي يلطف جو السرداب.  لعل هذا التصميم موغل في القدم للمحافظة على برودة السرداب في الصيف اللاهب. أما طابق الضيوف العلوي فيتكون من غرفتين “أرسي” ومابينهما ساحة في أرضيتها شباك حديدي واسع يطل على غرفة تجمع الاصدقاء اليومي في الطابق الاسفل.

 الدكتور خليل جميل: رشح قريبنا الدكتور خليل جميل للإنتخابات في العام 1954 ولتوسيع حملته كان عليه أن يتوجه الى الناخبين في الكوفة ومدن أخرى تحيط بمركزه الاننتخابي في النجف.

 الدكتور خليل جميل الجواد (1924-1978)

 

طلب من والدي مساعدته في ذلك واستجاب  الوالد بالرغم من عدم تعاطفه مع السياسة والسياسيين. أقيمت في بيتنا جلسة كبيرة حضرها عدد غفير من أهل الكوفة لما لوالدي من احترام لديهم. وزعنا الشربت وتحدث الدكتور خليل في الجمع وكان مسرورا لماشاهده من تأييد. ولكن ولأسباب سياسية لم يفز لأنه كان معروفا بانتماءه للحركة اليسارية وكونه احد القياديين فيها.  

بيتنا الجديد: في سنة 1954 تحولنا من ذلك البيت الى بيتنا الجديد الذي شيد حديثا ويقع في منطقة تبعد حوالي النصف كيلومترا عن البيت القديم وهو اوسع بكثير منه وكانت لي غرفتي الخاصة فيه. ولذالك البيت مدخلان منفصلان احدهما يؤدي الى البيت الدخلاني والمدخل الاخر البراني.  ولم يكن هناك عيادة للوالد إذ انه في هذه المرحلة انصرف الى تجارة الحبوب والتمر اللتان كانت المدينة متخصصة بهما.  

بداية التفكير بالطب!!:

حينما بدأت أعي بواكير الحياة تفتحت عيناي على مجتمع والدي الذي كان يزخر بالادباء وعشاق الادب. وكان له مجلس يومي يؤمه الاصدقاء من أهالي الكوفة واحيانا من النجف وبغداد والحلة وكربلاء  وغيرها من المدن المجاورة. وبالرغم من صغر سني كنت أتمتع بالجلوس في مجلس الادب والظرافة وأسمع القصص والنكات والأخبار. وكذلك بدافع الواجب كنت حاضرا في مجلس “الحكمة” اي الطب ألبي طلبات الوالد أو مرضاه.   أما في مجلسه الثقافي فقد كنت اجلس ونفسي وعقلي متوجهان لهذا التجمع  الموقر ومن ذلك  تنامت عندي رغبة في الاندماج الروحي بهذا المجلس وتولد عندي شعور بسمو العلاقة بين الطبيب والمريض وتيقنت انها علاقة روحية لاترقى اليها اية علاقة اخرى سوى علاقة الانسان بخالقه.  وبقيت اسبح في هذا العالم الذي كونته بنفسي حول هذه العلاقة وصممت على ان اكون في مستقبلي سائرا على خطاه وان اصبح طبيبا ينتشي بسحر هذه العلاقة الروحانية السامية.  واكتمل هذا القرار عندما اكملت الصف الاول المتوسط.

اغلاق القائمة